البناء والهدم بين علماء الدين وأشباههم!

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ عن التركيز على الشكل الخارجي للنص أو شكل توضع الفقرات في الصفحة التي يقرأه

ليلى أحمد الأحدب  د.*
بعث لي الأخ القارئ رمضان النمران رسالةً يحملني أمانة إيصالها لذلك كان لا بد من نشرها وإن اضطررت إلى الاجتزاء منها دون الإخلال بمضمونها، يقول فيها: (لست متخصصاً في الإعلام لأجد عندك العذر في حالة عدم إيصال فكرة هذا الاقتراح كما ينبغي ودائماً أسأل نفسي أنه لو تم هذا الاقتراح فربما يكون به صلاح للأمة عامة ويكون فيه على الأقل شيء تتفق عليه الأمة الإسلامية ونحسّ كمسلمين أن منظمة العالم الإسلامي قد أنجزت عملاً عاماً لكافة المسلمين، وهو أن تقوم بإيجاد مجلس إفتاء ويكون أعضاؤه مرشحين من قِبل الدول الأعضاء وتكون مهامه النظر في جميع الأمور الشرعية والقيام بإصدار فتاوى لجميع المسلمين بدلاً من وجود مفت لكل دولة مما أوجد تبايناً واضحاً في الفتاوى الصادرة كتحريم قيادة المرأة للسيارة وغطاء الوجه وأخذ مبالغ مقابل الوديعة بالبنك وأمور أخرى، فيأتي دور هذا المجلس لحل مشاكل التباين الحاصلة الآن لأن الكل مقتنع بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ووجود هذا المجلس يبعد الإفتاء عن التأثر بعادات بلد معينة على حساب آخر وتكون الثقافة السائدة في إقرار الفتوى هي الثقافة الدينية بهدي من القرآن والسنة وما أقره السلف دون التعصب لمذهب على آخر وطبعاً لن يكون هذا المجلس مفيداً ما لم يقرُّه ولاة أمر المسلمين ويكون المرجع الوحيد للإفتاء في جميع الديار الإسلامية والأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية)


بالطبع لا بد من شكر الأخ النمران على حسن ظنه بي حتى أوكل إلي مهمة إيصال اقتراحه عبر منبر "الوطن"، وقد أرسلت له أحثه على إرساله إلى صفحة نقاشات، ولما لم يصلني منه أي رد فقد عزوت السبب إلى أحد أمرين: إما أنه أُحبط لأني لم ألب رغبته فلم يرسل لي تعليقاً على ردي، وإما أن رسالتي لم تصله كما يحصل لبعض الرسائل الإلكترونية التي تهوى الإنترنت اختطافها، ويبدو لي أن الإنترنت معذورة لأن الاختطاف أصبح سمة العصر، فهو ليس سنّة عن الزرقاوي وجماعته باسم الدين فحسب، بل إن الدين نفسه تم اختطافه من قبل بعض رجال الدين، علماً بأنه لا وجود لمسمى رجال دين أو إكليروس ديني في الإسلام، لذلك عندما يُطلق هذا اللقب فالمقصود منه أولئك الذين جعلوا الدين طريقاً للمجد يسيرون فيه ويتبخترون عليه وسبيلاً لهالة قدسية يتلفعون بها ويتمترسون خلفها، هذا إذا لم يتخذوه تجارةً ومنفعةً وتكسباً ومصلحةً.
قد يكونون قلةً، لكنهم يشكلون نكسةً في ماضي الأمة العربية الإسلامية وحاضرها، فمن نتائج أفعالهم أخذ الصالح بوزر الطالح، وبهذا لم يعد لعلماء الدين الحقيقيين كبير وزن، لذا لا بد من التمييز بين نوعين من حملة العلم: النوع الأول هم الذين ينظرون من زوايا مصلحتهم الضيقة الخاصة وهؤلاء هم الذين يَجْنون على الأمة إذ يسكتون حين يجب الكلام ويتكلمون حين يحسن الصمت، والنوع الثاني هم أولئك الذين يتتبعون المصلحة فيسددون ويقاربون وكثيرا ما يختارون أخف الضرر كي يكفّوا الفتن الماحقة عن الأمة، وهم يتميزون بقدرتهم على استبصار الفتن وهي مقبلة وليس كغيرهم لا يدركونها إلا وهي مدبرة، وهذه البصيرة لم تأتهم إلا بمجاهدة لتخلية النفس من شوائبها المهلكة من حب الجاه والمال والظهور والغرور، وهم يُعرفون بتحقيقهم لأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام: (تخلقوا بأخلاق الله)، وأكثر ما نردده يومياً من صفات الله عز وجل هي التي تحويها البسملة وهما تحديداً صفتا الرحمن الرحيم، فالعالم لا يكون ربانياً إلا إذا اتصف بأمور عدة منها: أن يجمع إلى علمه الرحمة الصادرة عن خشية بالغة من الله سبحانه وهذا واضح بقوله تعالى:(ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله َمن عباده العلماءُ، إن الله عزيز غفور) وإن كان يدخل في معنى الآية أيضاً المختصون بالعلم المادي إذا نظروا بعين البصيرة والتجرد فوقفوا على أسرار إلهية لم يقف عليها غيرهم؛ ومنها أيضا أن لا يضره قدح ولا يسره مدح، كوصف الحكمة الشرقية:(كما لا يتزحزح جلمود الصخر أمام العاصفة، هكذا الحكماء لا يتكدّرون بالمدح أو الذم)، وإذا اتصف عالم الدين بهذا الوصف فقد سما على الطبيعة البشرية التي تطرب للمدح وتبغض الذم, فيهبه الله الحكمة والبصيرة لذا تجده واعياً بالخلل ساداً لأبواب الزلل، والأهم من كل ذلك اعترافه بالخطأ والرجوع إلى الحق إذا توضح له دون مكابرة.
لا أدري إن كان الجواب على رسالة الأخ النمران بوجود المجمعات الفقهية التي تُعقَد كل سنة ويحضرها كثير من علماء الدين، لكن رسالته على أية حال أثارت كوامن في النفس وربما نكأت بعض الجروح، وأخطرها هو تضارب الفتاوى في أمور عظيمة كالجهاد، والمثال عليها فتوى الشيخ العبيكان في أحد برامج قناة فضائية أن الجهاد في العراق ليس جهاداً على الإطلاق مما أثار حفيظة بعضهم عليه لكن التضارب نجم عن استضافة نفس البرنامج شيخاً سعودياً آخر ولما وجّه له أخ عراقي سؤالاً إذا بالشيخ يحرم التعامل مع الأمريكيين حتى لو كان في إيصال المواد الغذائية لهم، ولما بيّن له السائل أن الحكومات تتعامل معهم وأنه سائق شاحنة وهذا العمل هو مصدر رزقه الوحيد أصر الشيخ على فتواه دون اعتبار الظروف المحيطة بالعراقيين سياسياً واجتماعياً، وهنا مشكلة الفتوى التي تأتي على نمط لكل سؤال جواب بدل أن تفقه معنى قول الله تعالى:(فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله عزّ وجل:(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقول الرسول عليه الصلاة والسلام:(إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). وما يقال في أمر عظيم كالجهاد يقال في أمر عظيم أيضا وهو الزواج والنكاح، فبينما يؤكد بعض الفقهاء أن الخاطب يحق له أن يرى ممن يريد خطبتها ما يدخل في المحاسن وليس المفاتن أي أن يرى الوجه والكفين فقط يذهب بعضهم إلى أن من حقه أن يرى حتى شعرها وبعلمها، بوجود محرم لها في الحالتين، بينما يقرر فقهاء آخرون أنه لا يحق له أن يرى منها شيئا قبل الخطبة إلا بعد أن يتم الاتفاق الكامل على المهر وغيره، فعندها تحق له الرؤية الشرعية وبدون علمها لكن دون تبيان للناس حدود هذه الرؤية الشرعية، علما بأن الآيات والأحاديث الواردة في موضوع الزواج كثيرة جداً، لكن للأسف فقد تم تفسير بعض الآيات بشكل متناقض كما أن بعض الأحاديث الصحيحة لا يحبذ تداولها لسبب غير معلوم.
هذه الاختلافات صادرة عن فقهاء من نفس البلد، فكيف إذا اختلفت البلاد؟ لا ننسى أن التغريب قد فعل فعله في بعض البلاد العربية فما عادت كلها تعتقد بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان بعد أن تم تغييب الذاكرة الجمعية للأمة بسبب إشغالها بالنزاعات والصراعات بين تيارات القومية والماركسية وغيرها من المبادئ الوضعية التي أثبتت فشلها، ولكن بعد ماذا؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الأزمات التي ما زالت آثارها مبرحة في الجسد فما عاد جسداً واحداً؟ وكيف يمكن توحيد الفتوى في الأمور الخطيرة التي تتعلق بحفظ الضروريات الخمس وهي النفس والدين والعقل والعرض والمال؟ أما الأمور البسيطة التي يكون الاختلاف فيها مصدر رحمة وسعة فتراعى فيها المصلحة العامة والفردية لكل بلد، ولا بد لأي تغيير فوقي بقانون أو فتوى أو ما شابه أن يحصل بتناغم مع تغيير في القاعدة التحتية أي الناس، وإلا فإن إجبار الناس على تغيير عاداتهم حتى السيئة منها لا يأتي بخير، وكلنا يعلم امتناع رسول الله عليه الصلاة عن هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم وإسماعيل لأن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكذلك قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لابنه لما اعترض عليه في عدم حمله الناس على العودة إلى الشرع مرة واحدة إنه يخشى عليهم الفتنة فيتركوا الدين جملة واحدة، فكيف إذا قارنا بين المدة الزمنية القصيرة الممتدة من العهد النبوي إلى خلافته وبين المدة الزمنية الطويلة التي تفصلنا عن النبوة والخلافة؟ وكيف إذا أخذنا بعين الاعتبار كل المتراكمات التاريخية والاجتماعية والسياسية والفقهية وهلم جرا؟
إن مهمة التغيير منوطة بالقوانين والتشريعات والأنظمة ولكنها بدرجة أولى مهمة المثقفين على اختلاف أنواعهم وتشمل كلمة "المثقف" كل إنسان واع مخلص متيقظ الضمير لا فرق بين داعية على منبر أو كاتب في صحيفة، ولذلك أرى أن أحول اقتراح الأخ النمران إلى الشكل التالي: (إن التغيير يحتاج إلى علماء دين متبصرين بكتاب الله وسنة رسوله، كما يحتاج إلى أطباء مشخصين لحالة الأمة وأمراضها، كما يحتاج إلى خبراء بالحضارة الغربية وأدواتها، ومن اجتماع هؤلاء وإخلاصهم وهمتهم وعزيمتهم يمكن أن تخرج الأمة من أزماتها)


إذن لا بد من حركة ثقافية دينية واعية مخلصة تقدم الإسلام بشكله الحقيقي من أنه دين الرحمة للعالمين وأنه دعوة إلى العدل والتعارف بين البشر، وقد أصبحت هذه الحركة ضرورية لمقاومة تكريس الصورة المريبة للإسلام بسبب العمليات التي تستهدف مدنيين وأبرياء وتعتمد الذبح والسحل وغيرها من أشكال العنف التي تنفّر الناس من دين الإسلام، والأخطر من ذلك هي الفتاوى التي تعزز تلك الأفعال الشائنة على أنها شكل من أشكال المقاومة والجهاد بعد أن نسي هؤلاء المفتون أو تناسوا أن تقديم صورة الإسلام بوصفه ديناً للسلام والمحبة هو المقاومة الحقيقية، وأن الجهاد غير ممكن إلا إذا تم التمكين، والتمكين لا يأتي إلا بعد بناء المجتمع، ولكن كيف، ما دمت تبني وغيرك يهدم؟

 


*
كاتبة ومستشارة في التنمية الذاتية والاجتماعية
 

 

موضوع كتبته ونشر بجريدة الوطن عن طريق الدكتوره ليلى الأحدب

 

 

 

 

ترك تعليق

captcha

تويتر تغذية

القائمة البريدية

:بريدك الالكتروني


اشترك الغاء اشتراك